الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
57
مناهل العرفان في علوم القرآن
ويكون على أنواع شتى : منه ما يكون مكالمة بين العبد وربه ، كما كلّم اللّه موسى تكليما . ومنه ما يكون إلهاما يقذفه اللّه في قلب مصطفاه على وجه من العلم الضروري لا يستطيع له دفعا ، ولا يجد فيه شكّا . ومنه ما يكون مناما صادقا يجيء في تحقّقه ووقوعه ، كما يجيء فلق الصبح في تبلّجه وسطوعه . ومنه ما يكون بوساطة أمين الوحي جبريل عليه السلام : وهو ملك كريم ذو قوّة عند ذي العرش مكين ، مطاع ثمّ أمين . وذلك النوع هو أشهر الأنواع وأكثرها . ووحى القرآن كله من هذا القبيل ، وهو المصطلح عليه بالوحي الجلىّ . قال اللّه تعالى في سورة الشعراء : « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ، عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ » . ثم إن ملك الوحي يهبط هو الآخر على أساليب شتّى : فتارة يظهر الرسول في صورته الحقيقيّة الملكية . وتارة يظهر في صورة إنسان يراه الحاضرون ويستمعون إليه . وتارة يهبط على الرسول خفية فلا يرى ، ولكن يظهر أثر التغيّر والانفعال على صاحب الرسالة فيغطّ غطيط النائم ، ويغيب غيبة كأنها غشية أو إغماء ، وما هي في شئ من الغشية والاغماء ، إن هي إلا استغراق في لقاء الملك الروحاني ، وانخلاع عن حالته البشرية العادية ، فيؤثّر ذلك على الجسم ، فيغطّ ويثقل ثقلا شديدا ، قد يتصبّب منه الجبين عرقا في اليوم الشديد البرد . وقد يكون وقع الوحي على الرسول كوقع الجرس إذا صلصل في أذن سامعه ، وذلك أشدّ أنواعه . وربما سمع الحاضرون صوتا عند وجه الرسول كأنه دوىّ النحل ، لكنهم لا يفهمون كلاما ، ولا يفقهون حديثا . أما هو - صلوات اللّه وسلامه عليه - فإنه يسمع ويعى ما يوحى إليه ، ويعلم علما ضروريّا أنّ هذا هو وحى اللّه دون لبس ولا خفاء ، ومن غير شك ولا ارتياب ، فإذا انجلى عنه الوحي وجد ما أوحى إليه حاضرا في ذاكرته ، منتقشا في حافظته ، كأنما كتب في قلبه كتابة .